في السنوات الأخيرة، تشهد دول العالم تسارعاً غير مسبوق في تطوير صناعة طاقة الهيدروجين. ووفقاً لتقرير مشترك صادر عن اللجنة الدولية لطاقة الهيدروجين وشركة ماكينزي، فقد أصدرت أكثر من 30 دولة ومنطقة خارطة طريق لتطوير طاقة الهيدروجين، ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار العالمي في مشاريع طاقة الهيدروجين إلى 300 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.
طاقة الهيدروجين هي الطاقة المنبعثة من الهيدروجين خلال تفاعلاته الفيزيائية والكيميائية. يمكن حرق الهيدروجين والأكسجين لتوليد الطاقة الحرارية، كما يمكن تحويلهما إلى كهرباء بواسطة خلايا الوقود. يتميز الهيدروجين بتعدد مصادره، فضلاً عن كونه موصلاً جيداً للحرارة، ونظيفاً وغير سام، وذو قيمة حرارية عالية لكل وحدة كتلة. تبلغ القيمة الحرارية للهيدروجين، عند نفس الكتلة، حوالي ثلاثة أضعاف القيمة الحرارية للبنزين. يُعد الهيدروجين مادة خام أساسية في صناعة البتروكيماويات ووقوداً هاماً للصواريخ الفضائية. ومع تزايد الدعوات لمواجهة تغير المناخ وتحقيق الحياد الكربوني، يُتوقع أن تُحدث طاقة الهيدروجين نقلة نوعية في منظومة الطاقة البشرية.
يُفضّل استخدام طاقة الهيدروجين ليس فقط لانعدام انبعاثات الكربون في عملية إنتاجها، بل أيضاً لقدرتها على تخزين الطاقة، ما يُعوض عن تقلبات الطاقة المتجددة وانقطاعها، ويُعزز تطويرها على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، تهدف تقنية "تحويل الكهرباء إلى غاز" التي تُروج لها الحكومة الألمانية إلى إنتاج الهيدروجين لتخزين الكهرباء النظيفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، التي لا يُمكن استخدامها في الوقت المناسب، ونقل الهيدروجين لمسافات طويلة لاستخدامه لاحقاً بكفاءة. وإلى جانب حالته الغازية، يتوفر الهيدروجين أيضاً في صورة هيدريد سائل أو صلب، ما يُتيح له خيارات تخزين ونقل متنوعة. وباعتباره مصدراً نادراً للطاقة "المُقترنة"، لا يقتصر دور طاقة الهيدروجين على تحقيق التحويل المرن بين الكهرباء والهيدروجين فحسب، بل يُشكل أيضاً "جسراً" لربط الكهرباء والحرارة والبرودة، وحتى الوقود الصلب والغازي والسائل، ما يُسهم في بناء نظام طاقة أنظف وأكثر كفاءة.
تتعدد استخدامات طاقة الهيدروجين باختلاف أشكالها. وبحلول نهاية عام 2020، ارتفعت نسبة امتلاك المركبات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين عالميًا بنسبة 38% مقارنةً بالعام السابق. ويتوسع نطاق استخدام طاقة الهيدروجين تدريجيًا من قطاع السيارات إلى قطاعات أخرى كالنقل والبناء والصناعة. فعند استخدامها في النقل بالسكك الحديدية والسفن، تُسهم طاقة الهيدروجين في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي من النفط والغاز في النقل لمسافات طويلة وبحمولات ثقيلة. فعلى سبيل المثال، طورت شركة تويوتا في مطلع العام الماضي أول دفعة من أنظمة خلايا وقود الهيدروجين للسفن البحرية وسلمتها. كما تُستخدم طاقة الهيدروجين في توليد الطاقة الموزعة، حيث تُوفر الطاقة والتدفئة للمباني السكنية والتجارية. وتُوفر أيضًا مواد خام فعالة، وعوامل اختزال، ومصادر حرارة عالية الجودة لقطاعات البتروكيماويات والحديد والصلب والمعادن وغيرها من الصناعات الكيميائية، مما يُسهم في خفض انبعاثات الكربون بشكل فعال.
مع ذلك، يُعدّ الحصول على طاقة الهيدروجين، بوصفها نوعًا من الطاقة الثانوية، أمرًا صعبًا. يتواجد الهيدروجين بشكل رئيسي في الماء والوقود الأحفوري على هيئة مركبات على سطح الأرض. وتعتمد معظم تقنيات إنتاج الهيدروجين الحالية على الطاقة الأحفورية، ما يُعيق تجنّب انبعاثات الكربون. في الوقت الراهن، تشهد تقنية إنتاج الهيدروجين من مصادر الطاقة المتجددة تطورًا تدريجيًا، حيث يُمكن إنتاج هيدروجين خالٍ من انبعاثات الكربون من خلال توليد الطاقة المتجددة والتحليل الكهربائي للماء. كما يبحث العلماء عن تقنيات جديدة لإنتاج الهيدروجين، مثل التحليل الضوئي الشمسي للماء وإنتاج الهيدروجين من الكتلة الحيوية. ومن المتوقع أن تبدأ تجربة تقنية إنتاج الهيدروجين النووي، التي طوّرها معهد الطاقة النووية وتقنيات الطاقة الجديدة بجامعة تسينغهوا، خلال عشر سنوات. إضافةً إلى ذلك، تشمل سلسلة صناعة الهيدروجين التخزين والنقل والتعبئة والتطبيق وغيرها من المراحل، والتي تواجه بدورها تحديات تقنية وقيودًا مالية. فعلى سبيل المثال، يتميز الهيدروجين بكثافة منخفضة وسهولة التسرب في ظل درجات الحرارة والضغط العاديين. كما أن ملامسته للفولاذ لفترات طويلة تُسبب له "تقصف الهيدروجين" وتلفه. لذا، يُعدّ تخزين الهيدروجين ونقله أكثر صعوبة بكثير من تخزين ونقل الفحم والنفط والغاز الطبيعي.
في الوقت الراهن، تشهد العديد من الدول نشاطاً مكثفاً في جميع جوانب أبحاث الهيدروجين الجديدة، مع سعيها الحثيث لتجاوز الصعوبات التقنية. ومع التوسع المستمر في إنتاج وتخزين ونقل طاقة الهيدروجين، تتوفر أيضاً إمكانية كبيرة لانخفاض تكلفة هذه الطاقة. وتشير الأبحاث إلى أن التكلفة الإجمالية لسلسلة صناعة طاقة الهيدروجين من المتوقع أن تنخفض إلى النصف بحلول عام 2030. ونتوقع أن يشهد مجتمع الهيدروجين نمواً متسارعاً.
تاريخ النشر: 30 مارس 2021